المقال

هَدمُ أميركا !

في عيد استقلال الولايات المتحدة الأميركية – الرابع من تموز – لهذا العام، تم حرق العلم الأميركي، بنجومه المتحابة المتجاورة، من قبل متظاهرين أميركيين، في حدث رمزي كثيف التعبير، ليطاول الحريق أحد أهم المقدّسات الوطنية التي يتباهى الأميركيون بإجماعهم على احترامها، وعدم المسِّ بها بأية إشارة أو أسلوب يمكن أن يُضعف من هيبتها.

قبل هذا الحادث، وبعيد مقتل جورج فلويد المأساوي، وفي سياق تطور الاحتجاجات على المعنى العنصري لحادثة القتل، بدأت ظاهرة إسقاط التماثيل المنصوبة في ساحات المدن الأميركية، والتي تعود في أولها إلى المكتشف الإيطالي – الإسباني كريستوف كولومب، وصولاً إلى تمثال الرئيس جيفرسون في ولاية فرجينيا، إلى تماثيل أخرى تم إسقاطها وقطع رؤوسها، في الوقت الذي طالبت فيه نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب، بإزالة أحد عشر تمثالاً لعسكريين ومسؤولين من الحقبة الكونفدرالية، والمتوضّعة في مبنى الكابيتول، لأن هذه التماثيل – حسب بيلوسي – تشير إلى (تكريم الكراهية)، فلا بدّ من إسقاطها.

هذه الحوادث، بمعناها وأسلوب وقوعها ورمزيتها، لا تتعلق أو ترتبط، بأي شكل أو منهج، بطبيعة الاحتدام السياسي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ولا بمطالب يمكن إدراجها في برامج اجتماعية أو اقتصادية أو صحية، وما إلى ذلك، بل إنها تعني وبوضوح شديد، أنَّ التحرّش بالتاريخ الأميركي، الذي يمكن ملاحظته قبلاً في الكتب النقدية والأكاديمية (كتب نعوم  تشومسكي مثالاً). إنَّ هذا التحرّش قد أصبح (لعبة الميدان)، وانتقل من كونه فعلاً معرفياً – نقدياً – نخبوياً، إلى كونه فعلاً واقعياً مجسّماً، عنفياً وإن كان ضد تمثال أو علم، ويتجه كي يكون مسلّمة عامة.

وإذا كان التحرّش بالتاريخ الأميركي، بإسقاط تماثيل (ما)، قد جاء انتقائياً، بحيث طاول من كان الذي يمثّله، فيه شبهة أو لوثة أو ممارسة عنصرية، أو أنه ينتمي للحقبة الكونفدرالية، فإن الوصول إلى حرق العلم يعني أن التحرّش قد مسَّ النظام الفدرالي نفسه، أي النظام الأميركي المؤسس في العام 1789 والمستمر إلى الآن، والذي يتشاوف على أنظمة العالم مجتمعة وبمختلف تنويعاتها، بنظرته إلى نفسه كـ (حالة تاريخية) غير مسبوقة، كما غير قابلة للنسخ والتقليد، فتكون إذاً الحالة الاستثناء في التاريخ. !

ها هنا يمكن ملاحظة أنَّ الحالة الأميركية تتعرّض للضرب من داخلها، ذلك لأنَّ إحالة التاريخ إلى عنوان احتجاجي راهني، يعني تماماً أنَّ الخلاف ٌ بدأ يتسرّب نحو الجذور المؤسِسة، التي تقع تحت تهديد مقصِّ التناقضات الظاهرة والواضحة فوق التراب، في الميدان وفي الساحات.

لا يأخذ (الاستثناء الأميركي) معناه من حقل السياسة، بل من بنية التجربة التاريخية للمغامرة الأوروبية في الأرض الجديدة المُكتشفة، ورغم اعتبار هذه المغامرة المثال المُكون لـ (جماعة)

في سياق عملية تجريبية مفتوحة للنظم الأخلاقية والسياسية والاقتصادية وغيرها، إلاّ أنها تمكنت من ضبط تجريبيتها وتأطير تاريخيها وتوضّيبه كـ (مقدّس) مُكونٍ للشخصية الأميركية وروحها.

التحرّش بهذا (المقدّس)، الذي نراه في الساحات الأميركية اليوم، هو نوع من محاولة تفكيكه وإضعافه ودفعه إلى العراء، فإن تم إسقاط كولومب وجيفرسون من أماكنهم في الميادين والذاكرة الأميركية، فما الذي يمنع غداً من إسقاط جورج واشنطن ؟

آنذاك، ماذا يبقى من أميركا؟

السؤال الكبير، الذي قد لا نحتاج لوقت طويل حتى نجد إجابته… السؤال:

من يلعب بأميركا …؟

ولماذا… ؟

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق